صحيح أنّ كلّ المؤشّرات كانت منذ أكثر من أسبوع تدلّ على نيّة إسرائيل بتصعيد حربها ضدّ "حزب الله"، التي باتت "من طرف واحد" منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، بعدما التزم به الحزب بالكامل، ورمى بمسؤولية الردّ على الخروقات الإسرائيلية اليومية له في ملعب تل أبيب، التي على النقيض، استغلّت الأمر، للتغلغل أكثر فأكثر في الجنوب اللبناني، بدليل توسيع نطاق وإطار اعتداءاتها في الأيام الأخيرة، وتجاوزها قواعد الاشتباك المتّفَق عليها، ولو لم تكن مُعلَنة.
لكنّ الصحيح أنّ أحدًا لم يتوقع أن يصل هذا التصعيد إلى حدّ ضرب عصفورين بحجر واحد، إن صحّ التعبير، من خلال استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت بلا سابق إنذار، وترويع سكّانها الذين لم يتأخّر بعضهم في الفرار والنزوح، ومن خلال اصطياد "هدف ثمين" في الحزب، هو هيثم علي الطبطبائي، الذي وصفه الحزب في بيان النعي بـ"القائد الجهادي الكبير"، كاشفًا أنّه تولى مسؤولية القيادة العسكرية في المقاومة بعد معركة "أولي البأس".
بهذا المعنى، لا يمكن النظر إلى ضربة الضاحية هذه وكأنها مجرّد حلقة إضافية في مسلسل الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار، فاستهداف الطبطبائي الذي وصفته إسرائيل بـ"قائد أركان حزب الله"، و"الرجل الثاني فيه" بعد أمينه العام الشيخ نعيم قاسم، يُعتبَر في ظروف عاديّة "إعلان حرب" بأتمّ معنى الكلمة، وقد ذكّر كثيرين بعملية اغتيال المسؤول العسكري السابق في الحزب فؤاد شكر، التي مهّدت الطريق لتحوّل معركة الإسناد إلى حرب كاملة.
لكن، أبعد من القراءة العسكرية للعملية، ثمة قراءات سياسية لا بدّ من الوقوف عندها أيضًا، فالعملية جاءت في لحظة كانت فيها الأنظار مشدودة إلى المسار السياسي في ضوء المبادرة التي أطلقها الرئيس جوزاف عون، والحراك المتجدد للجنة الخماسية أيضًا، كما جاءت أيضًا على وقع سباق يبدو "محمومًا" بين منطقين متناقضين: منطقي دولي-إقليمي يسعى إلى تجنيب لبنان حربًا شاملة عبر "تسوية ما"، ومنطق إسرائيلي يبدو مستعجلاً لشنّ الحرب، من أجل استكمال ما بدأه في الجولة الأولى، ومنع "حزب الله" من إعادة ترميم قدراته بأي شكل من الأشكال.
في المبدأ، لا يخفى على أحد إنّ إسرائيل كسرت من خلال اغتيال الطبطبائي، إحدى أكثر "المحرّمات" حساسية منذ توقيع اتفاق وقف العمليات العدائية. فعلى الرغم من أنّها سبق أن ضربت الضاحية، في سياق خروقاتها وانتهاكاتها، فإنّ السياق كان مختلفًا وكذلك الحيثيّات، علمًا أنّ هذه الضربة بالتحديد، خلافًا لكل الاشتباكات الحدودية، أحدثت حالة "ذعر" حقيقية بين المواطنين، الذين لا يريدون استعادة "كابوس" الحرب، وما عانوه من ويلات بسببها.
لكن على أهمية الشكل، فإنّ المضمون لا يقلّ حساسيّة هنا، فاغتيال الطبطبائي لا يشبه أيًا من الاغتيالات التي نفّذتها إسرائيل على مدار العام المنصرم، وقد أظهر في مكانٍ ما أنّ ما يُحكى عن "ترميم القدرات" قد لا يكون دقيقًا أو واقعيًا، طالما أنّ قيادات الصف الأول في الحزب لا تزال مخترَقة على الأقلّ إسرائيليًا، وطالما أنّ الإسرائيليّ لا يزال قادرًا على ضرب الضاحية ساعة يشاء، ومن دون أن يسائله أو يحاسبه أحد.
هنا، تبدو النبذة الشخصية التي وزّعها "حزب الله" عن الطبطبائي في بيان النعي مثيرة للاهتمام، إذ إنّ الواضح أنّ الرجل يُعَدّ واحدًا من أكثر العقول العسكرية خبرة في الحزب، وهو ما دفع الإسرائيليين إلى تصنيف عملية اغتياله كـ"إنجاز" كما فعلوا سابقًا مع سائر الاغتيالات التي شملت زعيم الحزب التاريخي السيد حسن نصر الله، وذلك باعتبارها رسالة واضحة مفادها أنّ رأس هرم "حزب الله" العسكري والسياسي ليس بمنأى عن "بنك الأهداف".
لكنّ الضربة التي هلّل لها الإسرائيلي، وضعت "حزب الله" في المقابل في موقف محرج، وأمام ضغط مركّب على عدّة مستويات، ولا سيما بعد تأخّره في تأكيد هوية الشخصية التي استُهدِفت، لتسبقه إسرائيل مرّة أخرى في بيانات الإعلان، والذي خلا بيان النعي، وما تلته من تصريحات أيّ إشارة إلى "ردّ حتمي" على الجريمة، و"ثأر لدماء" القائد الشهيد، كما درجت العادة، قبل أن يعتمد الحزب سياسة "الحكمة والصبر" التي لا يُعرَف ما إذا كانت ستصمد هذه المرة.
هنا، يمكن الحديث عن ضغط مباشر على الحزب من الشارع الشيعي نفسه، بل من بيئته الحاضنة، التي باتت تشعر بـ"عدم الأمان" في ظلّ غياب موازين الردع التي حكمت الصراع مع إسرائيل لسنوات طويلة. وبالتوازي، يمكن الحديث عن ضغط من المرجعية الدينية والبيئة الإقليمية المباشرة، إذ تكشف تقارير عدّة عن خشية جدّية لدى الإيرانيين من أن تكون المعركة المقبلة هي "الأخيرة" كما يروّج الإسرائيليون، ما يتطلب خوضها بأسلوب مختلف.
أما الضغط الأهمّ على الحزب، فيبقى ذلك الذي يفرضه المسار السياسي، سواء على مستوى حراك الخماسية التي تسعى إلى صيغة تتجنب الذهاب إلى الحرب، أو عبر مبادرة الرئيس جوزاف عون حول التفاوض مع إسرائيل من أجل التوصل إلى ترتيبات أمنية دائمة. ويرى كثيرون أنّ الغارة على الضاحية جاءت كجواب بالنار من تل أبيب على هذه المقاربة، وعلى كل الوساطات التي لا تنطلق من مبدأ "نزع السلاح"، وهو ما أضحى شرط إسرائيل للتفاوض.
في ضوء ما سبق، تبدو خيارات "حزب الله" لكيفية التعامل مع اغتيال قائده الجهادي الكبير "ثقيلة"، وهو الذي يدرك قبل خصومه أنّ أيًا منها لن يكون بلا أثمان باهظة. فالخيار الأول بالنسبة إليه يتمثل في ردّ "محدود ومدروس"، يشبه إلى حدّ بعيد الردود التي كان يعتمدها خلال مرحلة "حرب الإسناد"، والتي كان مقتنعًا بأنّها لن توصل إلى الحرب، لكنّه خسر الرهان وقتها، تمامًا كما خسر كبار قادته، وهو سيناريو يخشى كثيرون أن يتكرّر مرّة أخرى.
أما شكل الردّ "المحدود"، فتشير المعطيات إلى أنّه سيكون بمثابة عملية عسكرية نوعية، لكن محدودة الأثر، تستهدف هدفًا عسكريًًا أو أمنيًا إسرائيليًا، بما يتيح له ربما استعادة "شيء" من معادلة الردع التي خسرها في الحرب الأخيرة، ولكن بما لا يفتح الباب أمام مواجهة شاملة، ولا يعطي ذريعة لإسرائيل لتوسيع نطاق الحرب، وإن كان يدرك أن الأخيرة لم تعد تحتاج إلى ذرائع، ولا حتى تكترث لتبرير هجماتها أو مجازرها.
مشكلة هذا الخيار برأي البعض، أنّه قد لا يبدو كافيًا في عيون جمهور لا من أجل الثأر، ولا حتى لردع إسرائيل ومنعها من استهداف الضاحية مجدّدًا، فما كان صالحًا في مرحلة ما قبل الحرب الأخيرة، أو خلالها، لم يعد واردًا اليوم، وهنا يأتي الخيار الثاني الذي يروّج له البعض، ويقال إنّ جزءًا من قاعدة "حزب الله" يدفع باتجاهه، وهو الذهاب إلى تصعيد واسع ومواجهة أكبر، ولو أنّ هذا الأمر يبقى مستبعَدًا حتى إشعار آخر.
بالنسبة لأصحاب هذا الرأي، فإنّ ردّ "حزب الله" قد يهدف هذه المرّة إلى إثبات أنه لا يزال قادرًا وقويًا خلافًا لكل الدعاية التي يبثّها العدو، ولذلك فهو قد يطال العمق الإسرائيلي بشكل غير مسبوق منذ 2006، مع ما يعنيه ذلك من فتح الباب أمام حرب مفتوحة، تعتقد إسرائيل أنها قادرة على حصرها في "أيام قتال" مكثفة لتحقيق أهداف استراتيجية، فيما يخشى حلفاء الحزب من أن تتحوّل إلى استنزاف طويل يدمّر ما تبقى من بنى تحتية لبنانية ويعمّق عزلة البلد.
يبقى الخيار الأخير، وهو استمرار سياسة "الصبر" والاستثمار في السياسة، إذ يقول العارفون إنّ الحزب قد يختار أن يطيل أمد الغموض، فيلوّح بالردّ ربما من دون أن يقدم عليه، منسجمًا بذلك مع الموقف الرسمي اللبناني، علمًا أنّ هناك من يرى أنّ رهان الحزب عمليًا هو على القدرة على تحويل الضغط العسكري إلى أوراق سياسية داخلية، بما ينهي المحاولات الحثيثة التي يرصدها من بعض القوى السياسية لاستضعاف الحزب، والاستقواء عليه.
في كل الأحوال، تبدو ضربة الضاحية محطة مفصلية في مسار الصراع بين إسرائيل و"حزب الله". فتل أبيب تتصرف على أساس أن لا تسوية جدية ولا مفاوضات قبل "نزع السلاح"، فيما يجد الأخير نفسه أمام سؤال وجودي يطرحه جمهوره قبل خصومه: أيُّ معادلة ردع تبقى إذا كان "قائد الأركان" نفسه يُغتال في قلب الضاحية من دون ردٍّ واضح وسريع؟ قد يكون الجواب عن هذا السؤال ما سيحدد طبيعة المعركة في الأشهر القليلة المقبلة...




















































